الجصاص

240

الفصول في الأصول

والدليل على أنه قد كان جعل له أن يقول من طريق الاجتهاد : قوله تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ( 1 ) عمومه يقتضي جواز الاستنباط من جماعة المردود إليهم ، وفيهم ( 2 ) النبي صلى الله عليه وسلم . ( ويدل عليه أيضا : قوله تعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ( 3 ) والنبي صلى الله عليه وسلم من أجلهم ( 4 ) ويدل عليه ما حكى الله تعالى من قصة داوود وسليمان عليهما السلام ، ثم قال : ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلمنا ) ( 5 ) وظاهره يدل على أن حكمهما كان من طريق الاجتهاد ، لأنهما لو حكما من طريق النص لما خص سليمان بالفهم ( 6 ) فيها دون داوود عليهما السلام . ويدل عليها أيضا : أن درجة المستنبطين أفضل درجات العلوم ، ألا ترى : أن المستنبط أعلى درجة من الحافظ غير المستنبط ، فلم يكن الله ليحرم ( 7 ) نبيه عليه السلام أفضل درجات العلم التي هي درجة الاستنباط . ( 8 ) ويدل أيضا عليه : قوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) ( 9 ) ولا يخلو المعنى فيه : من أن يكون مشاورته ( 10 ) إياهم فيما نص عليه تطيبا لنفوسهم ( 11 ) فيما لا نص فيه ، فأمر بمشاورتهم ليقرب وجه الرأي فيه ، وليزداد ( بصيرة في رأيه إن ) ( 12 ) كان موافقا لرأيهم .